صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
72
تفسير القرآن الكريم
وقد اختلفوا في أن البرزخ الذي سيصير الأرواح إليها بعد المفارقة عن الدنيا ، هو عين البرزخ الذي بين الأرواح المجردة والأجسام الطبيعية أم غيره والأكثر على أن أحدهما غير الآخر حقيقة ، قائلين بأن تنزلات الوجود ومعارجه دورية ، مستدلين بأن الصور التي تلحق الأرواح في البرازخ الأخير إنما هي صور الأعمال ونتيجة الأفعال السابقة في النشأة الدنياوية ، بخلاف صور البرزخ الأول ، فلا يكون أحدهما عين الآخر ، لكنهما مشتركان في كونهما عالما غير مادي وجوهرا غير طبيعي . وأقول فيه بحث كشفي لا يمكن عرضه لغير المكاشف على وجهه ، إلا أنه يجب أن يعلم كل سالك أن وحدة الجواهر العالية والمبادي المتعالية ليست من قبيل وحدة الأشخاص الطبيعية الواقعة في عالم التضايق والتصادم والتضاد ، ويعلم أيضا إن وحدة الموضوع التي اعتبرها المنطقيون في شرائط التناقض لا بد أن يختص بما يتحقق في الماديات ، حتى يثبت التناقض بين الأمرين المتناقضين ، وإلا فكثيرا ما يجتمع المتناقضات في موضوع غير طبيعي موجود في غير هذا العالم ، فإن المتقابلات حاضرة عند المرتفعين عن حضيض هذا الأدنى ، وصدق الكلي الطبيعي على أفراده المتقابلة تنبهك على هذا ، وكذلك الحكم عندما يتصور العقل وجودا وعدما وسوادا وبياضا لشيء واحد . ومما يدل على ما ذكرنا قوله تعالى : هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ [ 57 / 3 ] وكذا قول الحكماء إن الواجب تعالى مبدأ الأشياء وغايتها ، وقولهم : إن العقل الفعال ثمرة العقل المستفاد ، كما أنه مبدأ فاعلي له ، وكذا ما عليه المحققون من العرفاء ، ان العقل الأول هو الحقيقة المحمدية عند انبعاثه ووصوله إلى المقام المحمود المختص به . وبالجملة إن العالم المتوسط البرزخي من جملة مبادي الإنسان التي قد نزلت حقيقته وماهيته منها ، وسيقع رجوع النفس إليها ، والكلام في وحدة ذلك العالم وتعدده صدورا وورودا كالكلام في سائر المبادي المحصلة لماهية الإنسان أولا ، والمكملة لوجودها أخيرا .